يوسف أعرِض عن هذا

لم يخرج يوسف شاهين، رمز السينما المصرية والتجربة الأغنى والأعرض زمنيا، فيلما واحدا مر مرور الكرام في النصف الثاني من حياتي على الأقل. وعيت صبيا على الصراع الرهيب، في ذروة من ذرى الأصولية الإسلامية في بلادي، حول فيلمه المهاجر. ثم ترقبت مراهقا عمله الضخم الذي تصدر المشهد الإعلامي: المصير، ففيه أيضا كان لمطربي الأثير الذي أسرني آنذاك دور بطولة فيه. أذكر جلوسي في صف متأخر من قهوة الطلبة في المدينة الصعيدية، لأشاهد فيلم السهرة الذي لم أعرفه مسبقا. توالت مشاهد مبهرة قبل العناوين وأيقنت أن أمامنا الليلة فيلما أجنبيا يستحق المشاهدة، فإذا بالعناوين عربية، بل مصرية، والصورة لا تجعل العين تفارقها.
وتوالت أعمال شاهين التي عاصرها شبابي، فمع صعود حديث العولمة خرج علينا بـ الآخر، ثم فانتازيته الجديدة سكوت هنصور، ليعود إلى سيرته مكملا الرباعية بـ إسكندرية-نيويورك.
وعبر هذه السنوات أمتعني شاهين. ليس بهذه الأفلام، إنما بأخوات لها: الإيقاع اللاهث وتلاطم الطبقات والثقافات والأنفس على مدار يوم واحد في صراع في المينا؛ سخونة الفقراء الجنسية والسياسية والانحراف النفسي للمهمشين في باب الحديد؛ طموح وبطولة البسطاء وعلاقات القوة بينهم في الأرض (الذي كنت قد أتيت على الرواية الضخمة التي أخذ عنها في صيف كامل)؛ محاكاة أفلام أولاد الذوات في الكوميديا الغنائية الرائقة إنت حبيبي. ويصفعني شاهين من حين لآخر بأفلام كان وقوعي عليها مصدر دهشة كبرى: الاختيار، العصفور، عودة الابن الضال، إسكندرية ليه، حدوتة مصرية، إسكندرية كمان وكمان، اليوم السادس. وأتسمع قولا هنا ومعلومة هناك عن أفلام أخرى لم تجد سبيلها للتليفزيون: فجر يوم جديد، القاهرة منورة بأهلها. أحب هذا الفيلم ويعجبني هذا ولا أحب ذاك وأتحفظ على ذلك، لكنني دائما أجد فيلما، مخرجا شاردا عن السرب، أصلا روائيا أو نصا سينمائيا قويا، توزيعا غريبا ومثيرا للأدوار، تمثيلا قديرا، نبرة وحوارا برائحة الرجل، استعراضا فاتنا، موسيقى استثنائية، اكتشافا لزمان ومكان، بناء عجيبا، وفي كل هذا: مصر، مصر أخرى أحببتها.
لماذا يبدأ كل شيء في بلادي كبيرا وينتهي صغيرا؟

