الحوَل السمعي: كيف يستمتع الأطفال بإعاقتهم ويعيدون إبداع الأغاني
في طفولتي اعتدت أن أسمع الأغاني غلط. أغان كثيرة سمعتها بطرق غير المقصودة. والكثير منها نسيتها، أما القليل فهو الذي جعل للأغاني معاني أخرى تماما. لعل ذلك كان خيالي يحل ما استعصى عليه. ولكن الأمر ليس ذلك فقط. عندما أعود لبعض سماعي الغلط أكتشف أشياء:
1- "لو نسيت البؤس"
طبعا محمد منير كان يقول "لو نسيت القدس"، وهذه هي الكلمات كاملة لمجدي نجيب:
ينساني دراعي اليمين
ينساني دراعي الشمال
ينساني نني العين
وآهة الموال
لو نسيت القدس
ينساني فرح النهار
وضلة الديار
ورنة الأوتار
وضحكة كل جار
لو نسيت القدس
تنساني أفراحك
ينساني صباحك
تنساني الشموس
وتنكرني النفوس
والبيوت
والمطر
والشجر
والقمر
تنساني الشوارع والبيوت
وادبل
أدبل أموت
لو نسيت القدس
لم أستمع لذلك فقط وأنا طفل، بل استعصت عليّ الكلمة الرئيسية لأستبدلها بكلمة أصعب! الآن أتساءل، أيهما أكثر شعرية، في هذه الأغنية التي لن تحدث فيها مشكلة واحدة لو وضعت "البؤس" مكان "القدس" بل تصبح أرحب وأعمق وتسع كل المآسي، القدس وغيرها، وتقفز بالمعنى قفزة غير متوقعة عندما يمزق بؤس الفقراء والمرضى والمضطهدين المغني ويعمق غربته وينغص عليه حياته كلها على هذا النحو الذي تتكفل بقية الأغنية بوصفه بعبقرية.
2- "يا ادّلعدي يا امّ جناحات ملوّنة"
هي هي هي. كم من الأفلام العربية القديمة شاهدت وأنا بعد في الخامسة وفي قريتي البعيدة في الصعيد بعيدا عن لهجة القاهرة الحديثة نفسها لكي أحول غناء نيللي من "قلت لها طب يللا العبي يا ام جناحات ملوّنة" إلى هذا الردح الذي عفا عليه الزمن للفراشة التي تدعوها للعب؟ لم أعرف حقيقة ما تقوله نيللي إلا من عامين عندما حصلت على تسجيل للأغنية. ولكني مستمر في غنائها "إدّلعدي".
3- "واما تجيب عيش"
هذه الغلطة تكشف عن مأساة من مآسي طفولتي. فرغم أنني كنت بالتأكيد فوق التاسعة أو العاشرة عندما غنت وردة "باتونس بيك" إلا أنه كتب علي الوقوف، بحكم أنني كبرت وبقيت راجل، في طابور فرن العيش الكريه. كل يوم تقريبا، بالساعات أو بعشرات الدقائق وبالخناق وبأحط طبقات مجتمع القرية الذين لا يخبزون في بيوتهم (سامحك الله يا أمي لأنك كنت لا تتمكنين من الخبيز أحيانا أو ينقصك الدقيق)، وأنا الطفل الغض المدلل. هكذا صرت أسمع "واما بتبعد باتونس بيك" بهذا الشكل المشوه الغريب الكارثي: "واما تجيب عيش أنا باتونس بيك".
4- "جزيرة ويا اختي فضي"
لو كان الأمر أمري
لو كان فيه شيء بيدي
كنت اقدر اشتري لك
جزيرة ويخت فضي
ربما بعد مرور بعض الوقت بدأت أتبين ما هو اليخت عندما بدأت قراءة ميكي وسمير، فصححت سماعي للأغنية، لكنني بالتأكيد سمعتها هكذا في البداية "كنت اقدر اشتري لك / جزيرة ويا اختي فضي". ما هذا الإعجاز؟! لقد تحول تركيب الجملة تماما، وظهرت ثانية هذه الشقاوة البناتية في الحديث، "يا اختي"، وصار نعت الجزيرة (المؤنثة) مذكرا على عادة المصريين عندما يقولون "جزمة حريمي"، "عشرة بلدي"، "زفة إسكندراني" إلخ، وعلى غير عادة الأطفال الذين يدركون التأنيث والتذكير ويمارسونه أحيانا بطريقة مضحكة، عندما يشتمون ولدا مثلا قائلين "يا جزم" بدلا من "يا جزمة".
5- "من عرق النبي فتة"
هذه لم أسمعها في التليفزيون مع بقية أطفال القُطر. كان الشباب في القرية يحيطون العريس، الذي يحيون فرحه بأنفسهم، بالطارات، ويحيونه هاتفين: "عريس بسطيبو / يا واحد / الورد كان شوك / من عرق النبي فتّح / سعيد يا نبي سعيد / ما تصلوا عليه / مبروك مبروك مبروك". ولكني لم أميز أبدا "فتّح" لأنني لم أميز "كان شوك" بسبب طريقة النطق وضخامة وعلو الصوت، لتتحول على هذا النحو السريالي إلى هذه الصورة الغريبة على المدح والغزل: ما أجمل وأسعد أن يفوز الإنسان بفتة شوربتها هي عرق النبي، سواء أخذت العرق كسائل حرفيا أو مجازيا بمعنى تعب النبي. ربما ربطت ذلك أيضا بصحون الفتة التي كانت توزع على كبار القرية وصغارها وبيوتها كلها احتفالا.
تنبهني ملاحظة صديق، أنني الطفل الوحيد تقريبا في جيلي، رغم كل الغلطات غير المألوفة الواردة أعلاه، الذي سمع أغنية صفاء أبو السعود بشكل صحيح: "سعدنا بيها بيخليها ذكرى جميلة لبعد العيد"، بينما تبلبل زملائي في وحل من نوع "سعد نبيهة" (أي سعد ابن نبيهة) و"سعد نبيها" (أي سعد النبي الخاص بهذه الذكرى). أيضا تذكرت حيرتي مثله في "وتبقى نوّ" في يا طيور النورس التي لا أعرف من كاتب كلماتها البديعة (تفوح منها رائحة صلاح جاهين).
لا تأخذوا السمع الغلط بهذه البساطة، أحيانا يكون بالفعل إعادة إبداع. دليلي على ذلك أن صلاح جاهين اكتشف في البروفة أن داليدا تغني كلماته هكذا:
"فيه شجرة جوّا جنينة
عليها علامة
أنا ياما كنت بافكر فيها
وكنت باسأل ياما
يا ترى موجودة
وقلبي محفوظ فيها
أيوة موجودة
وقلبي محفوظ فيها
سالمة يا سلامة
" وجد جاهين أن "محفوظ" رائعة وأحلى كثيرا من "محفور" التي كتبها.
حضرت على منتدى محمد منير الجدل المقيت الخاص بألغاز من نوع "أصل الحكاية حكايتنا نبني الإنسان" أم "ابن الإنسان". و"دار الفرح غنى وصفّر" - كما كنت أسمعها وأراها جميلة - أم "غار الفرح" الغشيمة التي لن يفهم الواحد منها معنى الغيرة أو الإغارة أي الهجوم بدلا من ماضي "يغور" العامية وهي أول ما يأتي للذهن - ذهني على الأقل! فمنير ينطق بشكل عجيب، وأحيانا يغير هو ومنيب في الكلمات بين تسجيل وآخر. وهو عموما من أكثر المغنين بالعربية إحداثا للخلط. ولكنه لا يمكن أن يقارن بمايكل جاكسون الذي صار السمع الغلط من سمات أغانيه. وقعت عن نفسي في أخطاء سمع في كل أغانيه، منها مثلا:
"You’re my lovely one, You’re my only one"
التي صارت:
"You are my lollypop"
التي تذكر بالمصاصة الشهيرة ولكنها تستقيم مع المعنى الغزلي وتصبح أكثر حسية.
بوب مارلي أيضا كان له نصيبه:
"We’re not fool but we’re hungry,
Hungry mom, we’re hungry mom"
لهذه الشكوى الطفولية تحولت الأغنية، في أول سنة للجامعة وبداية إطعامي لنفسي بعيدا عن أمي، من الصرخة الاجتماعية-السياسية:
"Them belly full, but we hungry
Hungry mob is a angry mob"
كنت في أول سنة بآداب إنجليزي التي لا يفهم طلبتها مثل هذه ’الأخطاء النحوية‘ في غناء مارلي.
منذ فترة كانت آلاء ذات العشرة أعوام تصدح في الصالة:
"جات تصالحني وقعدت يا ما حامل فيّااا"
هكذا، وليس "تحايل فيّ".
ومنذ عام فوجئت بصديقي المحترم يغني لكاميليا جبران "فيلٌ في حذائي"، متأثرا بزيادة وزنه فيما بدا. كاميليا تقول "فيلٌ في حسائي"!

