ترد خجلة ومرتبكة، بل وممتعضة، على تهانينا بعيد ميلادها. كنا ندبر لمفاجأتها بالأمر، لكنها مالت ليلة على سوفرا قائلة: "سأبلغ المائة". تسألنا عن هليل بلهفة وإلحاح وتحلّفنا. حلمَت ليلتين أنها جالسة أمام باب البيت في البلد، وفوق رأسها تضج طيور كثيرة كالأوز، تمسك واحدا كبيرا منها وتضمه بقوة وإصرار وتصيح في الناس ليساعدوها في الاحتفاظ به. تفسر الحلم برجاء. تدعو كثيرا وتتوضأ ولا تفوتها صلاة من الخمس. تذهب بطولها العجيب الذي لا يخفيه انحناؤها، تستند على الأشياء وترفض الاعتماد على أحد.
وهي تقعي مستندة لجدار وتحك ذقنها الموشوم أو تتربع مائلة للأمام تفرك يديها منطوية على نفسها، تدير جدتي خلف هدوئها القلق ذاكرتها الجرارة وانتباهها العنيد لتستعيد وتجمع تفاصيل أزمنتها وتتابع أحوالنا بشغف وتكمل من خيالها. حكت لي مرة أن السردار الإنجليزي ضرب الأرض بقدميه أمام جنوده في الصحراء بعد أن أفلت منهم دراويش المهدي زاعقا: "جُدّام دراويش… جُدّام دراويش"، خمنت بعد فترة أن "جُدّام" ليست "قدام" كما ظننت للوهلة الأولى ولكنها "god damn"—إنها تحفظ عبارة أجنبية لا تعرف معناها من حكايات طفولتها. تحصي ما تبقى لحفيدتها في الجامعة قبل الامتحان النهائي وتخمن من من أحفادها أصلح المروحة لأنه حاصل على دبلوم كهرباء منذ خمسة عشر عاما وتذكّر حفيدها الأربعيني الآخر بأنها ساعدته ليلعب الكرة عندما جاء إلى البلد في قرية مجاورة بعد أن أبعده الأولاد لأنه غريب، وبنصف عين بقيت لها تلعب الورق بسهولة.
تضيق بالحر كأنها تحتضر منه وتقسم أن حر هذه البلاد لم تره في بلدها وتستعين عليه ببدع هذه البلاد: ماء مثلج ومروحة. أما البرد فطوبة "أحسن من كيهك ولحد نص برمهات وخلاص". وتلفت نظرنا لعدد الأغطية ضاحكة من نفسها.
تحتال أيضا على الوقت بطعامها المفضل، ولا تخفي استياءها من العدَس والطماطم وكل ما تغير أكله. في "كون انبو" اختفت الأصناف والأدوية التي عرفتها، لاضطرابات المعدة صارت تشرب السڤن أب والكوكاكولا اللتين تحبهما. ولكن لا زال هناك الإتّر والكابيدا والشدي والكاشيد والشاي بالجنزبيل وملاعق السكر الكثيرة، تشربه عند نزوله من النار بلا إبطاء.
تكوّن يدها بديع مع تيبس الأصابع وانكماش الجلد وبروز العروق والعظم العريض. تحنّي شعرها وتلبس جلاليب وسراويل ملونة وتتلفع فجأة بشال أسود كبير فتتلبسها صورة ساحرة طيبة في صحراء بعيدة أو حكيمة زعيمة قبيلة. أقول لها إن شخصا اسمه جدكاب يُعلّم الفاديكية ويكتب بها فتقول لي إنه قريبنا، من قبيلتنا، الدِبابية.
جدتي هي الوحيدة التي لا تسخر من نوبيتي، وتحادثني بها بشكل طبيعي، بوسعي يقينا لو لازمتها أن أرطن. تقول إن الرطان قيمة ويعين على بقية اللغات وتذكر بفخر أباها. زار باريز وتحدث العربية بفصاحة أعجزت المحامين في النزاعات، وتحداه المفتش الجريجي في العربية والفاديكية واليونانية والإنجليزية والفرنسية فتعادلا ثم قال له جدي: "انتظر، هل تعرف الكنزية؟ هل تعرف كلام أهل جبال النوبة؟"
تبدو جدتي كأنها تستجدي الموت. تقول إنها انتهت. ربما تقول ذلك أيضا كنوع من الاعتذار والتوضيح. أقول لها لعلها تعيش 120 سنة لأننا نريدها فتضحك ربما سخرية وإشفاقا من الفكرة وربما غير مصدقة لرغبتي. تطمئن على حالي وتتفهم غيابي وتسخط على الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية. تقرر أنها وبني جلدتها خرجوا من الجنة ودفنوا أحياء. "كان أحسن موظف بياخد 9 جنيه"، تقول ساخرة، وتعدد ما كان يفعله عائل الأسرة المغترب في القاهرة بخمسين قرشا هي مرتبه. تفتقد رخاء بلدها وقيامها هي على اقتصاد صغير؛ بيت وخزين وأراضي ومواشي وتعليم أولاد وزواج بنات وسائلين وعابري سبيل جاءوا أحيانا من بلاد أخرى في الجنوب. أدارت الرحى وحفظت في الصوامع وركبت البوستة وتجولت حتى حلفا. دفعها فضولها لتذوق العرقي الذي تصنعه للرجال بيدها وذهبت لتحش البرسيم ورأسها تدور. تتأذى من إحساسها بالعجز الآن.
اليوم التالي لعيد ميلاد جدتي يوافق عيد ميلاد عبد الناصر. أقول إنها لا تحبه فتعلو نبرتها وتتراجع بجذعها مستنكرة: "ولماذا سأحبه؟"، أقول إن كثيرين يحبونه فتقول إنهم من لم يكن لديهم شيء. تتذكر مستعجبة: يوم مات وكنا قد أصبحنا في البلد الجديدة هاجت قرانا بالنواح وطافت بنعوش من مكونات النخيل، جاني فلان وقال يا شريفة ألا تبكين، فقلت أنا أبكي بلدنا. قلت لها لكن ذلك حدث من أجل السد العالي فقالت بلا تردد: أتمنى أن يتحطم. قلت لها ستعتقلين فقالت ببساطة باسمة: "هو أنا هاقول كدا للبوليس؟"، لا تريد أن تنسى كيف تركوا الطرمبة الارتوازية الجديدة التي أحضرها جدي من القاهرة تغرق، مع كتبه كلها التي جاء الناس من كل مكان ليستشيروها.
"كل يوم قبل أن أنام أتذكر نجعنا، وأعد من رحلوا من الرجال والنساء، الكبار والصغار."
ربما لن أفهم بالضبط مقدار حبك للجدة،كما ربما لم أفهم مقدار حبي لجدتي إلا بعد رحيلها..
مرورها على الزمن،وكون كل المواقف أصبحت ماضيًا بالنسبة إليها،والمواقف البسيطة من ضحك وحكي وسخرية..
الإكبار والهيبة
ربما منذُ كنا ننظر للأعلى إليهم ونحن أطفال،
للأعلى دومًا
السؤال الذي سقط داخلي ،وأصدرَ رنينًا:
كيف سنكون حين يأتي اليوم الذي لا نصدق ولا نتمنى أن يمتد العمر بنا أكثر؟
-لستُ من النوبة،إلا أن لي اهتمام خاص بها
احساس بانتماء لأرض لم أرها بعد،وجذور عائلية بعيدة هناك
ثم منذُ “نبع الينابيع”لعبدالله الطوخي،التي عرفتني بشكل قريب على الجانب المظلم لبناء السد العالي
،،
هذا يجعل للأمور العظيمة الفائدة أبعادًا مأساوية غريبة
،،
حتى حديثي ليس تجريدًا
مجرد سَطْر للمناطق التي أنارها المكتوب أعلاه في رأسي
-
Comment by Mist — January 30, 2007 @ 11:28 pm
تذكرت باسماً بعد قراءة حكاية “جُدّام” دي! القصة الأسطورية التي حكيتها لي عن جدك وغرامة “السب” وكيف أنه لم يعر ضابط القرية اهتماماً ههههه سعيد جداً برجوعك للتدوين يا حمكوش. أحد أقربائي نوبي أيضاً هو الشاعر والناقد أسامة فرحات - وهو من أشد المهتمين بالنوبة وتاريخها، علّي أرتب بينكما لقاء حينما يعود بالسلامة إلى أرض الوطن فهو من الطيور “المهاجرة” ولكلٍ منا نصيب من “مائة عام من الهجرة” يا رفيق!!
Comment by علاء الدين — February 12, 2007 @ 8:04 pm
علاء الدين، لا تحرق الحكايات يا شقي.
يا مست كنت سأرى هذه السيدة كما أراها غالبا لو كانت جدة شخص آخر.
Comment by حَمُكْشَة — February 18, 2007 @ 12:11 pm