يوسف أعرِض عن هذا

 

لم يخرج يوسف شاهين، رمز السينما المصرية والتجربة الأغنى والأعرض زمنيا، فيلما واحدا مر مرور الكرام في النصف الثاني من حياتي على الأقل. وعيت صبيا على الصراع الرهيب، في ذروة من ذرى الأصولية الإسلامية في بلادي، حول فيلمه المهاجر. ثم ترقبت مراهقا عمله الضخم الذي تصدر المشهد الإعلامي: المصير، ففيه أيضا كان لمطربي الأثير الذي أسرني آنذاك دور بطولة فيه. أذكر جلوسي في صف متأخر من قهوة الطلبة في المدينة الصعيدية، لأشاهد فيلم السهرة الذي لم أعرفه مسبقا. توالت مشاهد مبهرة قبل العناوين وأيقنت أن أمامنا الليلة فيلما أجنبيا يستحق المشاهدة، فإذا بالعناوين عربية، بل مصرية، والصورة لا تجعل العين تفارقها.

وتوالت أعمال شاهين التي عاصرها شبابي، فمع صعود حديث العولمة خرج علينا بـ الآخر، ثم فانتازيته الجديدة سكوت هنصور، ليعود إلى سيرته مكملا الرباعية بـ إسكندرية-نيويورك.

وعبر هذه السنوات أمتعني شاهين. ليس بهذه الأفلام، إنما بأخوات لها: الإيقاع اللاهث وتلاطم الطبقات والثقافات والأنفس على مدار يوم واحد في صراع في المينا؛ سخونة الفقراء الجنسية والسياسية والانحراف النفسي للمهمشين في باب الحديد؛ طموح وبطولة البسطاء وعلاقات القوة بينهم في الأرض (الذي كنت قد أتيت على الرواية الضخمة التي أخذ عنها في صيف كامل)؛ محاكاة أفلام أولاد الذوات في الكوميديا الغنائية الرائقة إنت حبيبي. ويصفعني شاهين من حين لآخر بأفلام كان وقوعي عليها مصدر دهشة كبرى: الاختيار، العصفور، عودة الابن الضال، إسكندرية ليه، حدوتة مصرية، إسكندرية كمان وكمان، اليوم السادس. وأتسمع قولا هنا ومعلومة هناك عن أفلام أخرى لم تجد سبيلها للتليفزيون: فجر يوم جديد، القاهرة منورة بأهلها. أحب هذا الفيلم ويعجبني هذا ولا أحب ذاك وأتحفظ على ذلك، لكنني دائما أجد فيلما، مخرجا شاردا عن السرب، أصلا روائيا أو نصا سينمائيا قويا، توزيعا غريبا ومثيرا للأدوار، تمثيلا قديرا، نبرة وحوارا برائحة الرجل، استعراضا فاتنا، موسيقى استثنائية، اكتشافا لزمان ومكان، بناء عجيبا، وفي كل هذا: مصر، مصر أخرى أحببتها.

مارست إرضائي لغروري وأنا أفك بيني وبين نفسي شفرة شاهين التي أعيت الناس حولي، زملاء الدراسة وأفراد العائلة، وجعلتهم ينفضون من حوله. ولكن وأنا في القهوة وسط جمهرة من الطلبة كان الأمر مختلفا. عندما انهالت مانويللا على المنتمي لقتلة زوجها مروان المغني صارخة بالشتائم ثم أخذته في حضنها، ضج ما يزيد على مائة شاب جامعي بالضحك. لم يكن ضحكهم هو ما يدعو للأسف أو هز الرأس عجبا، بل تناول شاهين المباشر والهزيل للتطرف الديني في مواجهة العقل تحت لافتة الرمزية والإسقاط التاريخي. تمنيت لو أنني في المنزل، لكنت كتمت الصوت وأمتعت نظري وكفاني.

لن أكابر؛ منظر ساعد شاهين المرتعش وهو يرفع كفه لفمه علامة على أنه لا يجد الكلمات، أمام جمهور من صفوة سينمائيي العالم يصفقون وقوفا في كان وهو يكرّم عن إنجاز عمره، منظر ترك في أثرا عميقا، لرجل صاحب مصر من وراء الكاميرا عبر خمسة عقود (ستة الآن)، بسيجارة تشعلها جذوة في قلبه المعتل، قلب لا يتداوى إلا بالتي كانت هي الداء، الارتماء في تفاصيل وحياة العمل، واستطاع دون أن ينحني لقوانين سوق انقلبت ضده تماما في منتصف مشواره، أن يخوض مغامرته أكثر وأكثر مع مشاهد نافذ الصبر وناقد صحفي سريع، وأن يقيم عالمه الخاص ويشكل لغته الخاصة، ويخلق ما هو أكبر من مجرد جمهور معجبين: السلالة الشاهينية.

ورويدا رويدا، ينحدر الرجل بلا تراجع عبر نصف المشوار الذي تكمن في أواخره مأساته الغريبة. إذ يقرر، وقد فرغ من كتابة ثلاثية سيرته الذاتية التي ما كان سواه أقدر عليه منها، أن يكتب كل ما يخرجه، ويغوص داخل ذاتيته أكثر، ولا يرى في كل الشخوص إلا نفسه، ينطقها بلسانه، وينظّر ويفلسف وينصب من نفسه سياسيا وهو ابن البلد القارح لكن البسيط، ويصر على الكتابة وهو الفنان الذي سره في ترجمة أفكار كاتب يلتقي معه.

في سائر أعمال شاهين عرفنا على الترتيب: نضجه في إعطاء نص لغته السينمائية البليغة المثيرة للفكر، جنونه الجميل، اعتلال قلبه الذي تشاغل عنه بالعمل كمراهق نموذجي يريد صخبا وحماسا وجنسا وجنونا بهدف الجنون، وربما ابتسمنا لذلك أو هززنا رأسنا متفهمين نكوص العجائز. ولكننا في هي فوضى نعرف شيئا واحدا: اعتلال عقل الرجل واختلال رؤيته والنهاية الطبيعية لتوقف الإنسان عن التطور: الاندثار.

لماذا يبدأ كل شيء في بلادي كبيرا وينتهي صغيرا؟

أخطاء قاتلة في ترجمة المصري اليوم

"هيكل لروبرت فيسك: "مبارك يعيش عالماً من الخيال في شرم الشيخ"، نادين قناوي، المصري اليوم، 10 أبريل 2007، ص 1، http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=54338:
رئيسنا مبارك يعيش في عالم من الخيال في شرم الشيخ، فلنواجه الأمر، هذا الرجل لم يكن مجهزاً أبداً للسياسة […].
"هيكل ومبارك"، سليمان جودة، المصري اليوم، 17 أبريل 2007، ص 3، http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=55252:
في حوار مع الصحفي البريطاني روبرت فيسك، وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل، الرئيس مبارك، بأنه يعيش في عالم من الخيال في شرم الشيخ. ورغم قدرة الأستاذ هيكل الفائقة على اختيار الألفاظ واقتناص المعاني، فإن هذه القدرة، فيما يبدو، قد خانته هذه المرة. […] واليوم، أجد أني مختلف معه تماماً، […] فليس صحيحاً أن مبارك يعيش في عالم من الخيال […] لأنه لو كان يعيش على هذه الصورة فعلاً، لكان حال مصر قد اختلف اختلافاً جذرياً عما هو عليه الآن، ولو كان الرئيس يعيش في عالم من الخيال، لكان قد رأى لمصر ـ بخياله ـ مستقبلاً أفضل […] إن الشيء الذي ينقصنا يا أستاذ هيكل، علي مدي ٢٥ عاماً مضت، هو الخيال […].
"Mohamed Hasseinein Heikel: The wise man of the Middle East", Robert Fisk, The Independent, 9 April 2007, http://news.independent.co.uk/fisk/article2434980.ece:
 "Our President Mubarak lives in a world of fantasy at Sharm el-Sheikh," Heikel says. "Let us face it, that man was never adjusted to politics. He started to be a politician at the age of 55 when Sadat made him vice president before he was assassinated. Yes, Mubarak was a very good pilot" - he was commander of the Egyptian air force - "but to start off as a politician at the age of 55, that takes a lot of work. His original dream was to have been an ambassador, to be among the "excellencies". Now it’s been 25 years he’s been president - he’s nearly 80 - and he still can’t take the burdens of state." I remind Heikel that, shortly before he was assassinated at a military parade in Cairo, Sadat locked him up as a danger to the state and that when the new President Mubarak released him, Heikel was unstoppable in his praise of the man he now condemns.
يحار المرء في الحكم على خطأ سليمان جودة، الذي بنى عليه عموده كله في لوم هيكل لأنه قال في مبارك ما لا يستحقه. هل هو خطأ مترجم المصري اليوم في عدد سابق، أم هو خطأ جودة الذي أساء فهم كلام هيكل مترجما. إن استخدام كلمة "fantasy"، التي دخلت العربية بلفظها وبأكثر من معنى من معانيها في الإنجليزية ويستخدمها المثقفون (فانتازي، فانتازيا) وحتى العوام (فنطازيا، فنطزة)، هو تماما ما أراده هيكل ونقله فيسك ويريد به أن مبارك منفصل عن واقع بلاده في عالم شرم الشيخ السحري والخيالي والمخملي واللاهي. حقيقة، فإن العبارة كاملة، "عالم من الخيال"، كفيلة بأن تبعد تفكير القارئ عن معنى "الخيال" imagination بمفردها، وهي السمة التي رأى جودة أنها قوة ومزية، وهي طبعا كذلك، يفتقدها مبارك الذي يراه بليد العقل وبلا أحلام أو أفكار. عندما نقول إن شخصا يعيش في الخيال أو في عالم من الخيال يعرف كل شخص أن هذا شيء سلبي تماما لا يساوي أن فلانا لديه خيال.
لا، ليس لجودة عندي أي عذر، كتب مقالا كاملا واصطنع اختلافا مع هيكل وانتهز الفرصة للانتقاص من عقل مبارك، وكأنه بحاجة لأن يقول هيكل ذلك، والأولى به أن يتفق ويشرح كيف هو "فانتازي" ذلك العالم الهروبي الذي يعيش فيه مبارك بشرم الشيخ وكيف أن هذا ضد الخيال والإبداع وقيادة دولة.
ولكن هل أخطأ المترجم؟ لا. ربما فقط أضعف المعنى قليلا. حقيقة، كان يمكن بمزيد من الوسوسة تفادي كل ذلك بترجمة "a world of fantasy" إلى "عالم من الخيالات"، فـ "الخيالات" وحدها حتى يمكن تمييزها بسهولة عن "الخيال"، وهذا هو معنى جمعها المؤنث السالم في العربية. ولكن من أين لمترجم مندفع لدواعي السرعة في العمل الصحفي بهذه الفسحة من التأمل والتروي؟
" الغموض يحيط بوفاة أشرف مروان وتشريح جثته للكشف عن أسبابها"، محمد عبد الخالق مساهل، المصري اليوم، 29 يونيو 2007، ص 4، http://www.almasry-alyoum.com/article.aspx?ArticleID=66673:
ولفتت الصحيفة إلى أن مروان قام في السنوات التالية بتقديم معلومات حول مصر والعالم العربي، والتي وصفها كل من وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت موشي دايان وآخرون بأنها عديمة القيمة.
"Egyptian billionaire ‘who spied for Mossad’ found dead", Rajeev Syal, The Times, 28 June 2007, http://www.timesonline.co.uk/tol/news/uk/crime/article1996680.ece:
Mr Marwan provided information on Egypt and the Arab world that Moshe Dayan, the Israeli Defence Minister, and others would later term priceless.
إذا كان فهم الترجمة في المثل الأول هو القاتل، فإن الترجمة هنا هي القاتلة. يقول كاتب قصة التايمز الخبرية إن مروان قدم معلومات "لا تقدر بثمن" لموشيه ديان ـ وهو ما يستقيم أيضا مع ما يقال عن تجاهل ديان معلومات الملك حسين عن استعداد مصر وسوريا للحرب في ظل معلومات من المصدر الأقوى والأوثق، مروان، الذي نقل لإسرائيل ما يفيد إن مصر تؤجل قرار الحرب، ما يجعل المرء يميل للاعتقاد بأن المخابرات المصرية دفعت الثمن من معلومات حقيقية ومهمة مقابل هذه الثقة والغفلة اللتين ستنجحان خطة الهجوم في أكتوبر. هذه المعلومات التي"لا تقدر بثمن" priceless أصبحت في ترجمة المصري اليوم "عديمة القيمة"، العكس تماما، ليضيع ليس فقط كلام الكاتب الأصلي، بل ومعنى الخطة المخابراتية ومعقولية رواية الجاسوسية المزدوجة التي من شأنها توضيح صورة مروان.

كتب المدونون من قبل عن تدهور المصري اليوم المهني والتحريري المخيب للآمال وهي التي استقبلها قطاع عريض بترحاب ومنحوها ثقتهم كأهم جريدة مستقلة وربما أيضا مصرية في العموم؛ علاء عبد الفتاح ونورا يونس (هنا: http://norayounis.com/2007/04/06/226) وحسام الحملاوي (هنا: http://arabist.net/arabawy/2007/06/19/shame-on-al-masry-al-youm-المفبرك اليوم/) ومراقب مصري (هنا: http://egyptwatchman.blogspot.com/2007/06/blog-post_03.html)، وها أنا أضيف للتدهور هذا الاستهتار مع المواد المترجمة.

الحوَل السمعي: كيف يستمتع الأطفال بإعاقتهم ويعيدون إبداع الأغاني

شريط مسجل من مقتنيات الأسرة
 
في طفولتي اعتدت أن أسمع الأغاني غلط. أغان كثيرة سمعتها بطرق غير المقصودة. والكثير منها نسيتها، أما القليل فهو الذي جعل للأغاني معاني أخرى تماما. لعل ذلك كان خيالي يحل ما استعصى عليه. ولكن الأمر ليس ذلك فقط. عندما أعود لبعض سماعي الغلط أكتشف أشياء:

1- "لو نسيت البؤس"

 
طبعا محمد منير كان يقول "لو نسيت القدس"، وهذه هي الكلمات كاملة لمجدي نجيب:
ينساني دراعي اليمين
ينساني دراعي الشمال
ينساني نني العين
وآهة الموال
لو نسيت القدس
ينساني فرح النهار
وضلة الديار
ورنة الأوتار
وضحكة كل جار
لو نسيت القدس
تنساني أفراحك
ينساني صباحك
تنساني الشموس
وتنكرني النفوس
والبيوت
والمطر
والشجر
والقمر
تنساني الشوارع والبيوت
وادبل
أدبل أموت
لو نسيت القدس
 
لم أستمع لذلك فقط وأنا طفل، بل استعصت عليّ الكلمة الرئيسية لأستبدلها بكلمة أصعب! الآن أتساءل، أيهما أكثر شعرية، في هذه الأغنية التي لن تحدث فيها مشكلة واحدة لو وضعت "البؤس" مكان "القدس" بل تصبح أرحب وأعمق وتسع كل المآسي، القدس وغيرها، وتقفز بالمعنى قفزة غير متوقعة عندما يمزق بؤس الفقراء والمرضى والمضطهدين المغني ويعمق غربته وينغص عليه حياته كلها على هذا النحو الذي تتكفل بقية الأغنية بوصفه بعبقرية.

2- "يا ادّلعدي يا امّ جناحات ملوّنة"

 
هي هي هي. كم من الأفلام العربية القديمة شاهدت وأنا بعد في الخامسة وفي قريتي البعيدة في الصعيد بعيدا عن لهجة القاهرة الحديثة نفسها لكي أحول غناء نيللي من "قلت لها طب يللا العبي يا ام جناحات ملوّنة" إلى هذا الردح الذي عفا عليه الزمن للفراشة التي تدعوها للعب؟ لم أعرف حقيقة ما تقوله نيللي إلا من عامين عندما حصلت على تسجيل للأغنية. ولكني مستمر في غنائها "إدّلعدي".

3- "واما تجيب عيش"

 
هذه الغلطة تكشف عن مأساة من مآسي طفولتي. فرغم أنني كنت بالتأكيد فوق التاسعة أو العاشرة عندما غنت وردة "باتونس بيك" إلا أنه كتب علي الوقوف، بحكم أنني كبرت وبقيت راجل، في طابور فرن العيش الكريه. كل يوم تقريبا، بالساعات أو بعشرات الدقائق وبالخناق وبأحط طبقات مجتمع القرية الذين لا يخبزون في بيوتهم (سامحك الله يا أمي لأنك كنت لا تتمكنين من الخبيز أحيانا أو ينقصك الدقيق)، وأنا الطفل الغض المدلل. هكذا صرت أسمع "واما بتبعد باتونس بيك" بهذا الشكل المشوه الغريب الكارثي: "واما تجيب عيش أنا باتونس بيك".

4- "جزيرة ويا اختي فضي"

 
لو كان الأمر أمري
لو كان فيه شيء بيدي
كنت اقدر اشتري لك
جزيرة ويخت فضي
 
ربما بعد مرور بعض الوقت بدأت أتبين ما هو اليخت عندما بدأت قراءة ميكي وسمير، فصححت سماعي للأغنية، لكنني بالتأكيد سمعتها هكذا في البداية "كنت اقدر اشتري لك / جزيرة ويا اختي فضي". ما هذا الإعجاز؟! لقد تحول تركيب الجملة تماما، وظهرت ثانية هذه الشقاوة البناتية في الحديث، "يا اختي"، وصار نعت الجزيرة (المؤنثة) مذكرا على عادة المصريين عندما يقولون "جزمة حريمي"، "عشرة بلدي"، "زفة إسكندراني" إلخ، وعلى غير عادة الأطفال الذين يدركون التأنيث والتذكير ويمارسونه أحيانا بطريقة مضحكة، عندما يشتمون ولدا مثلا قائلين "يا جزم" بدلا من "يا جزمة".

5- "من عرق النبي فتة"

 
هذه لم أسمعها في التليفزيون مع بقية أطفال القُطر. كان الشباب في القرية يحيطون العريس، الذي يحيون فرحه بأنفسهم، بالطارات، ويحيونه هاتفين: "عريس بسطيبو / يا واحد / الورد كان شوك / من عرق النبي فتّح / سعيد يا نبي سعيد / ما تصلوا عليه / مبروك مبروك مبروك". ولكني لم أميز أبدا "فتّح" لأنني لم أميز "كان شوك" بسبب طريقة النطق وضخامة وعلو الصوت، لتتحول على هذا النحو السريالي إلى هذه الصورة الغريبة على المدح والغزل: ما أجمل وأسعد أن يفوز الإنسان بفتة شوربتها هي عرق النبي، سواء أخذت العرق كسائل حرفيا أو مجازيا بمعنى تعب النبي. ربما ربطت ذلك أيضا بصحون الفتة التي كانت توزع على كبار القرية وصغارها وبيوتها كلها احتفالا.

تنبهني ملاحظة صديق، أنني الطفل الوحيد تقريبا في جيلي، رغم كل الغلطات غير المألوفة الواردة أعلاه، الذي سمع أغنية صفاء أبو السعود بشكل صحيح: "سعدنا بيها بيخليها ذكرى جميلة لبعد العيد"، بينما تبلبل زملائي في وحل من نوع "سعد نبيهة" (أي سعد ابن نبيهة) و"سعد نبيها" (أي سعد النبي الخاص بهذه الذكرى). أيضا تذكرت حيرتي مثله في "وتبقى نوّ" في يا طيور النورس التي لا أعرف من كاتب كلماتها البديعة (تفوح منها رائحة صلاح جاهين).

لا تأخذوا السمع الغلط بهذه البساطة، أحيانا يكون بالفعل إعادة إبداع. دليلي على ذلك أن صلاح جاهين اكتشف في البروفة أن داليدا تغني كلماته هكذا:

"فيه شجرة جوّا جنينة
عليها علامة
أنا ياما كنت بافكر فيها
وكنت باسأل ياما
يا ترى موجودة
وقلبي محفوظ فيها

أيوة موجودة
وقلبي محفوظ فيها
سالمة يا سلامة

" وجد جاهين أن "محفوظ" رائعة وأحلى كثيرا من "محفور" التي كتبها.

حضرت على منتدى محمد منير الجدل المقيت الخاص بألغاز من نوع "أصل الحكاية حكايتنا نبني الإنسان" أم "ابن الإنسان". و"دار الفرح غنى وصفّر" - كما كنت أسمعها وأراها جميلة - أم "غار الفرح" الغشيمة التي لن يفهم الواحد منها معنى الغيرة أو الإغارة أي الهجوم بدلا من ماضي "يغور" العامية وهي أول ما يأتي للذهن - ذهني على الأقل! فمنير ينطق بشكل عجيب، وأحيانا يغير هو ومنيب في الكلمات بين تسجيل وآخر. وهو عموما من أكثر المغنين بالعربية إحداثا للخلط. ولكنه لا يمكن أن يقارن بمايكل جاكسون الذي صار السمع الغلط من سمات أغانيه. وقعت عن نفسي في أخطاء سمع في كل أغانيه، منها مثلا:

"You’re my lovely one, You’re my only one"

التي صارت:

"You are my lollypop"

التي تذكر بالمصاصة الشهيرة ولكنها تستقيم مع المعنى الغزلي وتصبح أكثر حسية.

بوب مارلي أيضا كان له نصيبه:

"We’re not fool but we’re hungry,
Hungry mom, we’re hungry mom"

لهذه الشكوى الطفولية تحولت الأغنية، في أول سنة للجامعة وبداية إطعامي لنفسي بعيدا عن أمي، من الصرخة الاجتماعية-السياسية:

"Them belly full, but we hungry


Hungry mob is a angry mob"
كنت في أول سنة بآداب إنجليزي التي لا يفهم طلبتها مثل هذه ’الأخطاء النحوية‘ في غناء مارلي.
منذ فترة كانت آلاء ذات العشرة أعوام تصدح في الصالة:

"جات تصالحني وقعدت يا ما حامل فيّااا"

 
هكذا، وليس "تحايل فيّ".

ومنذ عام فوجئت بصديقي المحترم يغني لكاميليا جبران "فيلٌ في حذائي"، متأثرا بزيادة وزنه فيما بدا. كاميليا تقول "فيلٌ في حسائي"!

تنصيص

"يوجد بالمكتبة كوتشينة إسلامية"
(محل خردوات، السيدة زينب)

"خادم لغة أهل الجنة"
(إعلان مدرس خصوصي في اللغة العربية، العمرانية)

"ما خطرتش على بالك يوم تفطر عندي؟"
(عربية فول، العمرانية)

"أقبل، لا تخف، فأنت آمن"
(عربية فول، الجيزة)

"الكتاب المدرسي ثروة فحافظ عليه بالتجليد. تجليد الكتاب بجنيه"
(مطبعة، إمبابة)

"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس"
"حجابك نجاتك"
"صلّ قبل أن يصلى عليك"

"أقم صلاتك تنعم بحياتك"
(ملصقات، مترو الأنفاق وفي أنحاء القاهرة الكبرى)

"كل كبدة باطمئنان واقرأ الفاتحة للسلطان"
(مطعم، بولاق أبو العلا)

"كل كبدة زين واقرا الفاتحة ف الحسين"
(عربية كبدة، إمبابة)

"أقوى أفلام العنف والإثارة"
(سينما الفانتازيو، ميدان الجيزة)
 
"نعم لتعديل المادة 76، نعم للديمقراطية، نعم للحرية، الكل سيقول غدا "نعم"، من أجل مستقبل أطفالنا [عند المرور أمام تويوتا نصف نقل احتشدت فيها أسرة كبيرة بأطفال قذرين هزيلين]، لا للمتآمرين على مستقبل هذا البلد، حي شمال الجيزة يقول نعم لمبارك، نعم من أجل الأمن والاستقرار، من أجل العزة، نحن بلد حرة، مضى زمن البوليس السياسي، أخي المواطن، لا للسلبية [أمام قهوة بلدي يرتادها الصنايعية والعاطلون والعربجية لمشاهدة مباريات الكرة المحلية والمصارعة الحرة الأجنبية والأفلام المصرية والفيديو كليبات العربية]، فلنتوجه غدا لصناديق الاقتراع لنقول كلمتنا، مع تحيات حي شمال الجيزة، لا للمتآمرين، نعم من أجل رزقنا [أمام محلي سيراميك كبيرين يتحرك أمامهما العمال]، نريد أكل عيشنا، نريد أن نأكل عيش، نريد أن نسترزق، أخي المواطن."
(ميكروفون بسيارة مينيبص، أرض عزيز عزت، إمبابة، مساء الثلاثاء 24 مايو 2005)
 
"70 مليون مصري يقولون نعم لمبارك"
(يفط في أماكن عديدة بوسط البلد مايو 2005، توقيع لواء دكتور نبيل لوقا بباوي – الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية يونيو 2005)

"غالبية المصريين يقولون نعم لمبارك"
(لافتات بنفس التوقيع بعد رفع اللافتات السابقة)

"إلى الأخت المحجبة البريونية"
(إعلانات شارع عن محلات ملابس بريوني للمحجبات)

"راجي عفو الخلاق…الأسطى حسنين الحلاق"

"مسجد…رجاء ممنوع التبول"
(جدار مسجد، بين السرايات)

"لا للصحراء"
(سور مدرسة إعدادية بشارع الهرم)

"وسقاهم ربهم شرابا طهورا"
(محلات عصير قصب، في أنحاء الجمهورية)

"وماء كان مزاجه زنجبيلا"
(سبل ومزاير، أسوان)

"هنيئا للشاربين"
(مزاير، أسوان)

"ولحم طير مما يشتهون"
(محلات ذبح وتنظيف طيور، في أنحاء الجمهورية)

"وكان أبوهما رجلا صالحا"
(محل ساندوتشات، الألفي، وسط البلد)

"كلوا من طيبات ما رزقناكم"
(عربيات ساندوتشات ومطاعم، في أنحاء الجمهورية)

"إن ينصركم الله فلا غالب لكم"
"إنما النصر من عند الله"
(لافتات دعاية انتخابية لمجلس الشعب في مواسم مختلفة ولمرشحين مختلفين، في أنحاء الجمهورية)

"واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد"
(عربية سرفيس، بندر قنا)

"بسم الله الرحمن الرحيم…المرشح [فلان الفلاني] رمز الطبق، وقال الله في كتابه العزيز ’ولتركبن طبق عن طبق‘"
(القناة الثامنة، تغطية لبرامج مرشحي مجلس الشعب، 2000)

"التكافل الاجتماعي هو الإسلام الحق لحل مشكلة البطالة…إلخ"
(شعار مرشح التكافل الاجتماعي د. محمود شلتوت على لافتته الدعائية المرفوعة فوق مقر الحزب، الدقي)

التدوينة مهداة إلى الروائي صنع الله إبراهيم صاحب ذات، والدكتور سيد عويس صاحب هتاف الصامتين، وإلى أعضاء منتدى محمد منير على دوت نت ودوت إكس پي تي ودوت فورمر المشاركين في موضوع "المواعظ والاعتبار" وعلى رأسهم فاتح الموضوع العضو أ ناجي.

لحم وحنان

© Deprivation, Lori Koefoed حرمان، لوري كوفويد
 
عندما تشم في الشارع رائحة الشواء ويكون في نفسك أن تشبع من طيباته ثم تهضمها بكوز مانجة مرطبة ثقيلة القوام، تلمع عيونك بالرغبة وجيوبك بالفلس، عندما يحدث هذا أكثر من مرة وأكثر من شارع – وتظل مطاردا بغواية الشواء وعبير المانجة ولكزة الفقر، ربما غلف لمعة عينيك مع الوقت بعض الأسى.

في رأسك دوخة قديمة من الألوان والأضواء ومسارات الحركة في الملاهي، وأنت في يد أمك، عين أمك، تتفرج، وليس معها لتعطيك دورا في لعبة.

عندما – كبرت! – تمر بجانبك فتاة مليحة بمؤخرة رائعة يهتز لها قلبك ويجري دمك ويتقدم جسدك كأنه سيرتمي في مجرى البضاضة الحنون المبهجة، فيرتد من صلابة سوستة البنطلون الچينز، ينكمش جلدك خجلا وفزعا ويأسا بتكرر ذلك، وغضبا.

وفي الطريق: محلات ومبان ومناطق وأراض كاملة مغلقة في وجهك. كأنك صفر عربي (يجهل طرف المعادلة التي جاءت به)، صفر عربي يغرق في القاع ولا يطفو بثقبه الحرج، يرقد في القاع ولا يعرف إلا القاع، يرمق الأعلى فقط حيث انعكاسات الضوء وحواف الشواطئ أبواب البيئات وبطون المراكب الواشية بجو الصيد والرحلة، المعرضة للفضاء الواسع، هناك فوق رواسبك الطحلبية اللزجة ومياهك القبرية.

تحلم بلحظة خارج الزمن فيها يخلو بالك من العوز والكفاح، لحلم لا تبدده حسرة اليقظة، لابتسامة غير مدربة، للذة ممتدة بلا هادم وشبق بلا فتور، أنت في مدينة مخصصة للكرنفالات والفانتازيا، أنت في ساحل براح حيث تصفو لدقائق الفلسفة والعشق، تهز وقارك الممل في حلبة الرقص، تنتظم في الجلسات والمحاضرات المشعلة لدروب مجهولة في عقلك، تبحث عن الأسرار بخفة والعلاج بحرية، تستغني، تظفر بنقطة الصفاء، تتلوث، تسكن فوق شجرة أو باطن جبل، تعاشر الآميش والطوارق والنتسليك ونجوم السينما وشغالين اليومية، تترك وتبدأ. بغير ذلك أنت ابن حرمان…جلدك ينكمش…لمعة عينيك تخفت…تموت.

 
31 مارس 2005

موبينيل: عمرك <= مدة صلاحيتك

اشحن الآن ببطاقة شحن من أي فئة لتحصل على صلاحية مدى الحياة!
 
"مدى الحياة؟"
"مدى الحياة."
 
أهرول في الشارع لألحق بفئة بطاقات الـ 10 جنيهات.
"مدى الحياة؟"
"مدى الحياة."
 
أتصل برقم الشحن. هذه الخدمة غير متوفرة حاليا. أدخل شفرة الشحن. هذه الخاصية غير متوفرة حاليا. مصر كلها بتشحن! أنجح بعد محاولتين.
Your account has been successfully recharged. Your new credit is […] and the validity ends on 02/02/2034.
 
ألفين أربعة وتلاتين؟ مدى الحياة؟! هل يعني ذلك …؟ آه…لا! حقا؟! هل علمت موبينيل ذلك وأرادت أن تخبرني بطريقة غير مباشرة؟ سأموت دون الثالثة والخمسين؟ منطقيا أنا سأموت الآن مع انتهاء صلاحيتي، أو حتى قبل ذلك! سيتمتع الورثة بما تبقى من رصيدي! ولكن، لا! كل مشتركي موبينيل الذين شحنوا اليوم تلقوا هذه الرسالة بالتأكيد. هناك خطأ ما.
 
أتصل بصديقي مرة أخرى وأخبره، يقول لي نعم، 2034، رأيت ذلك هنا مع صديق. من أين جئت بـ "مدى الحياة" إذن؟ من الإعلانات. أين؟ قنوات فضائية، أهرام الجمعة. ألتقط أهرام الجمعة، وفي المنتصف، على صفحتين كاملتين، إعلان من النوع التاريخي وعبارة ببُنط عملاق: "صلاحية مدى الحياة". أسفلها:
 
 
 
أنا آلو، فماذا حدث؟ كيف تحول تعريف مدى الحياة إلى هذه المعادلة؟

وجدت حلا لقصر عمري المتوقع: سأشحن أكثر، اليوم نجحت في تطويله أربعة أيام كاملة. ولكن ما الحل في هذا الغش الإعلاني؟ ما الحل في هذه اللغة المستباحة؟

حديث الصباح الباكر مع عم سيد النجّار

عم سيد في يوم آخر، تصوير: شادي يوسف ©

السابعة صباح 26 فبراير 2006

"نهارك سعيد يا عم سيد."
"أهلا، صباح الفل يا حبيبي."
"ممكن اقعد شوية؟"
"آه أهلا بيك اتفضل."

"تشرب إيه؟" شاي سادة ولا بحليب؟"
"لا أنا صحيت خلاص، آخد حاجة تانية. نعناع."
"الحمد لله."
"بتيجي كل اليوم الصبح؟"
"آه."
"بيتك قريب؟"
"آه هنا بعد الميدان عند حلواني الجهاد."
"داير الناحية."
"أيوة."

يستند للحائط. ضخما، كل شيء فيه ضخم وساكن. صنايعي أسطوري. ديدالوس. الكنزة الصوف تحت القميص النصف كم. وجهه مليء بالبثور والشعر المتناثر شبه الحليق. طاقية صغيرة على رأسه لم أتبين معها مدى صلعه. والجريدة النصفية الإعلانية أيضا صغيرة بين يديه الكبيرتين. يلوك لبانة صغيرة أيضا صفراء يقلبها بين أسنانه المتباعدة. كل شيء يبدو صغيرا بالقياس إليه.

"الورشة بتفتح كام؟"
"يعني بييجوا حداشر ويمشوا نص الليل."
"كل الأيام؟"
"أيوة."
"بيعرفوا يشتغلوا بالليل؟"
"أيوة، كل الشغل لزباين."
"عفش بس؟"
"آه، وباب وشباك كمان. زمان كان فيه تخصص."
"يعني المراكب مثلا."
"آه دي ليها ناسها. وكان فيه البراميل المدوّرة."
"بتاعة البيرة."
"آه بتاعة الخمرة، دي مش أيّ حد يقدر يعملها."
"كان فيه كرسي النورج، فيه فن؛ شغل؛ نقوش."
"دا الفلاحين بيعملوه، بس الأسخم الساقية والطنبور."
"أصعب؟"
"آه، كان بيرفع المية."
"لسة فيه منه؟"
"لأ. دلوقت كله أجهزة حديثة. فيه موتور."
"بس بيسحب كهربا بقى."
"لأ بيشتغل بالجاز. بس الأول كنت تقعد مع الطنبور طول اليوم. دا ف ساعتين يسقي ييجي 20 فدان."
"بيغبر الجو؟"
"لأ، الطاقة الحرارية مش بتعمل كدا."
"والشادوف…"
"آه."
"وإيه تاني كان تخصص؟"
"المنابر بتاعة الجوامع مثلا."
"طب والمسيحيين؟"
"مالهم؟"
"عندهم حاجاتهم، منبرهم، وفيه توابيت."
"دي بيعملوها ناس برضو."
"إحنا كنا بنعمل سرايرنا من الجريد."
"آه، أو الخرزان."
"لا ما شفتش خرزان. القعدة جريد مربوط بسلك.."
"أو حبل."
"لأ، شفت سلك بس. والبرواز والرجول خشب، بس مش عارف خشب إيه."
"أيّ خشب بس يكون متين."
"هوّ متين لأن الحاجات دي قاعدة لحدّ دلوقت. والرجول مربوطة بجلد ماعز. لما بينشف بيبقى أقوى من الحديد."
"آه، ممكن. دا جلد الماعز كمان مش يربط معاك مرة ولا مرتين، دا يلف معاك عشرين مرة."
"عشان مطاط؟"
"(يومئ) تبارك الله فيما خلق كل ناس عايشين ف طبيعة وبيعملوا حاجتهم من الطبيعة دي. يعني احنا نعمل الجبنة من الجاموس والبقر. فيه اللي بيعملوها م المعيز والخرفان."
"البدو؟"
"(يومئ) والسمنة. فيه اللي يعملوها من لبن الحمير."
"إزاي؟ هنا؟"
"لأ، ف أفريقيا. ف أفريقيا العالية فيه ناس جعانة. اللي ع الهضاب."
"آه، بعيد عن الوديان."
"آه ما هو كلمة هضبة يعني حتة عالية. والهضبة دي أول حاجة تنزلها المطر وأول حاجة ينزلها الجفاف والحر. الوادي مش كدا."

"(وأنا أحاسب) لا خلاص."
"الله يخليك. كفاية قعدتك. مش عايز اكلّفك."
"مفيش حاجة والله."
"أنا يمكن كمان آجي كل يوم."
"تشرف ف كل وقت."
"شكرا يا عم سيد، اللي عند الرجالة ما بيروحش."
"الله يخليك."
"نهارك سعيد."
"نهارك زي الفل."

أنَّا: مائة عامٍ من الهجرة


Sharifa Shukri شريفة شكري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ترد خجلة ومرتبكة، بل وممتعضة، على تهانينا بعيد ميلادها. كنا ندبر لمفاجأتها بالأمر، لكنها مالت ليلة على سوفرا قائلة: "سأبلغ المائة". تسألنا عن هليل بلهفة وإلحاح وتحلّفنا. حلمَت ليلتين أنها جالسة أمام باب البيت في البلد، وفوق رأسها تضج طيور كثيرة كالأوز، تمسك واحدا كبيرا منها وتضمه بقوة وإصرار وتصيح في الناس ليساعدوها في الاحتفاظ به. تفسر الحلم برجاء. تدعو كثيرا وتتوضأ ولا تفوتها صلاة من الخمس. تذهب بطولها العجيب الذي لا يخفيه انحناؤها، تستند على الأشياء وترفض الاعتماد على أحد.
 
 وهي تقعي مستندة لجدار وتحك ذقنها الموشوم أو تتربع مائلة للأمام تفرك يديها منطوية على نفسها، تدير جدتي خلف هدوئها القلق ذاكرتها الجرارة وانتباهها العنيد لتستعيد وتجمع تفاصيل أزمنتها وتتابع أحوالنا بشغف وتكمل من خيالها. حكت لي مرة أن السردار الإنجليزي ضرب الأرض بقدميه أمام جنوده في الصحراء بعد أن أفلت منهم دراويش المهدي زاعقا: "جُدّام دراويش… جُدّام دراويش"، خمنت بعد فترة أن "جُدّام" ليست "قدام" كما ظننت للوهلة الأولى ولكنها "god damn"—إنها تحفظ عبارة أجنبية لا تعرف معناها من حكايات طفولتها. تحصي ما تبقى لحفيدتها في الجامعة قبل الامتحان النهائي وتخمن من من أحفادها أصلح المروحة لأنه حاصل على دبلوم كهرباء منذ خمسة عشر عاما وتذكّر حفيدها الأربعيني الآخر بأنها ساعدته ليلعب الكرة عندما جاء إلى البلد في قرية مجاورة بعد أن أبعده الأولاد لأنه غريب، وبنصف عين بقيت لها تلعب الورق بسهولة.
 تضيق بالحر كأنها تحتضر منه وتقسم أن حر هذه البلاد لم تره في بلدها وتستعين عليه ببدع هذه البلاد: ماء مثلج ومروحة. أما البرد فطوبة "أحسن من كيهك ولحد نص برمهات وخلاص". وتلفت نظرنا لعدد الأغطية ضاحكة من نفسها.

 تحتال أيضا على الوقت بطعامها المفضل، ولا تخفي استياءها من العدَس والطماطم وكل ما تغير أكله. في "كون انبو" اختفت الأصناف والأدوية التي عرفتها، لاضطرابات المعدة صارت تشرب السڤن أب والكوكاكولا اللتين تحبهما. ولكن لا زال هناك الإتّر والكابيدا والشدي والكاشيد والشاي بالجنزبيل وملاعق السكر الكثيرة، تشربه عند نزوله من النار بلا إبطاء.

 تكوّن يدها بديع مع تيبس الأصابع وانكماش الجلد وبروز العروق والعظم العريض. تحنّي شعرها وتلبس جلاليب وسراويل ملونة وتتلفع فجأة بشال أسود كبير فتتلبسها صورة ساحرة طيبة في صحراء بعيدة أو حكيمة زعيمة قبيلة. أقول لها إن شخصا اسمه جدكاب يُعلّم الفاديكية ويكتب بها فتقول لي إنه قريبنا، من قبيلتنا، الدِبابية.
 
 جدتي هي الوحيدة التي لا تسخر من نوبيتي، وتحادثني بها بشكل طبيعي، بوسعي يقينا لو لازمتها أن أرطن. تقول إن الرطان قيمة ويعين على بقية اللغات وتذكر بفخر أباها. زار باريز وتحدث العربية بفصاحة أعجزت المحامين في النزاعات، وتحداه المفتش الجريجي في العربية والفاديكية واليونانية والإنجليزية والفرنسية فتعادلا ثم قال له جدي: "انتظر، هل تعرف الكنزية؟ هل تعرف كلام أهل جبال النوبة؟"
 
 تبدو جدتي كأنها تستجدي الموت. تقول إنها انتهت. ربما تقول ذلك أيضا كنوع من الاعتذار والتوضيح. أقول لها لعلها تعيش 120 سنة لأننا نريدها فتضحك ربما سخرية وإشفاقا من الفكرة وربما غير مصدقة لرغبتي. تطمئن على حالي وتتفهم غيابي وتسخط على الأوضاع الاجتماعية-الاقتصادية. تقرر أنها وبني جلدتها خرجوا من الجنة ودفنوا أحياء. "كان أحسن موظف بياخد 9 جنيه"، تقول ساخرة، وتعدد ما كان يفعله عائل الأسرة المغترب في القاهرة بخمسين قرشا هي مرتبه. تفتقد رخاء بلدها وقيامها هي على اقتصاد صغير؛ بيت وخزين وأراضي ومواشي وتعليم أولاد وزواج بنات وسائلين وعابري سبيل جاءوا أحيانا من بلاد أخرى في الجنوب. أدارت الرحى وحفظت في الصوامع وركبت البوستة وتجولت حتى حلفا. دفعها فضولها لتذوق العرقي الذي تصنعه للرجال بيدها وذهبت لتحش البرسيم ورأسها تدور. تتأذى من إحساسها بالعجز الآن.
 
 اليوم التالي لعيد ميلاد جدتي يوافق عيد ميلاد عبد الناصر. أقول إنها لا تحبه فتعلو نبرتها وتتراجع بجذعها مستنكرة: "ولماذا سأحبه؟"، أقول إن كثيرين يحبونه فتقول إنهم من لم يكن لديهم شيء. تتذكر مستعجبة: يوم مات وكنا قد أصبحنا في البلد الجديدة هاجت قرانا بالنواح وطافت بنعوش من مكونات النخيل، جاني فلان وقال يا شريفة ألا تبكين، فقلت أنا أبكي بلدنا. قلت لها لكن ذلك حدث من أجل السد العالي فقالت بلا تردد: أتمنى أن يتحطم. قلت لها ستعتقلين فقالت ببساطة باسمة: "هو أنا هاقول كدا للبوليس؟"، لا تريد أن تنسى كيف تركوا الطرمبة الارتوازية الجديدة التي أحضرها جدي من القاهرة تغرق، مع كتبه كلها التي جاء الناس من كل مكان ليستشيروها.
 
 "كل يوم قبل أن أنام أتذكر نجعنا، وأعد من رحلوا من الرجال والنساء، الكبار والصغار."



طالع إحصائياتي